001

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه وآله ومَن والاه ثم أما بعد..

يقول العرب للذي يقع بين شرّين لا مفر منهما: إنه واقعٌ بين المطرقةِ والسِندان، والإلحاد بصورته الحقيقية، التي يحاول دومًا إخفاءها أو تزيينها، هو بين مطرقة (العِلم) وسِندان (الإنسانية)، لا مفر.

فهو إذا نظر أعلى مِنه وَجَدَ العِلم الذي قوامه والدافع لأبحاثه هو الإيمان بالغيب! ذلك الإيمان بالتأثير والتأثر، بالسبب والمُسبب، إذ لولا (إيمان) العالِم في معمله بأن هناك سببا ما خلف ظاهرة كذا، ما كان لينفق وقته وجهده في البحث عن ذلك السبب أو دراستها، وهذا النوع من الإيمان بـ(الغيب) يقتل النظرة الإلحادية المادية التي تدعي عدم الإيمان إلا بالمحسوس ويذبحها! فلولا انتظام الكون وظواهره الدالة على قوانين وعلاقات دقيقة تحكمه، ما كان هناك إيمان بـ(غيب) خلف تلك القوانين وخلف ضبط تلك العلاقات، وأينما وُجد الغيب وُجد الحديث عن (الإيمان)، لأنه لا أحد يقول للشيء المحسوس أمامه أنا أؤمن أنه موجود! وإنما يُقال الإيمان لغير المحسوس استدلالا عليه بآثاره.            

وهكذا تهوي مطرقة (العِلم) على الإلحاد، منذ ظهر كفكر شاذ في الإنسانية، لتعلن أن علاقة الإلحاد بالعلم هي علاقة تضاد وتصادم لا توافق ووئام، ولتؤكد لنا مِن جديد أن الإلحاد ما هو إلا قضية نفسية لا أكثر ولا أقل، وأن الملحد لا ينقصه علم ولا أدلة، لأن مرضه في قلبه، إلا أن يهديه الله إذا فاق مِن جحوده وكفرانه:

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام : 111]

ثم ينظر الإلحاد أسفل مِنه، لعله يجد سبيلا آخرَ يُمرر به أسباب استمراره إلى غيره، فلا يجد إلا سِندان (الإنسانية)، الذي لا أمل في اختراقه أو النفاد مِنه أو الفرار، فالنفس الإنسانية جسدٌ وروحٌ، لن تتجزأ، وهي بهذه الصورة السوية لن تقبل الإلحاد أبدًا بين جنباتها، ليتعامل معها على أنها صخرة صماء لا مشاعر لها ولا أخلاق تحكمها، لن تقبل إلحادًا يرفع شعار (البقاء للأقوى) ولا مكان عنده لمعاني الرحمة والحب والتضحية والإيثار، ولا يعرف معنى النية أو الغاية أو الحساب، لن تقبل إلحادًا يناديها بنسبية الأخلاق أو مشروعية الاغتصاب أو إباحة قتل الأطفال الأجنة لأنهم في درجة أقل مِن الخنازير، لن تقبل إلحادًا يسد عليها آفاق التفكير في أجوبة الأسئلة الكبرى في الحياة؛ مِن أين أتينا ولماذا؟ فهي كلها خارج نطاق الإلحاد المادي بعِلمه المُشوه، الذي لا يتخطى النظر فيما بين يديه ولا يرنو إلى الأسباب والغايات.

وفي هذا العدد مِن المجلة، بإذن الله تعالى، سنواصل معًا إبراز تفسخ الإلحاد بين هذين الطرفين اللذين يتردد بينهما بلا مخرج؛ طرفي العِلم والإنسانية، وكلٌ منهما يأبى احتوائه أو إنشاء علاقة نسب حقيقية معه!

ومن هنا.. فلن أضيع عليكم لذة قراءة مقالات العدد، مع وجوب الإشارة إلى تهانينا للظهور الإعلامي -مِن جديد- لثلاثة فرسان مِن فرساننا في مواجهة الإلحاد، وهم الإخوة: د. هشام عزمي ود. هيثم طلعت ومصطفى قديح، خلال شهر رمضان هذا العام على شاشة الرحمة، في برنامج "حوار الإيمان والإلحاد"، وكذلك نعرب عن الحفاوة البالغة بمقال د. الطيب بو عزة في ملف هذا العدد، فجزاه الله خيرًا على قلمه وجهده. وأيضا نحتفي بأول مشاركة للأخ أحمد إبراهيم معنا، عن شرح مبسط لبحثه المنشور في مجلة محكمة Network Biology، وهو عن السرطان الغازي كدليل تجريبي على الانتحار التطوري.

هيئة التحرير

العدد الرابع من مجلة براهين

(يونيو 2015 - شعبان 1436)

mag-3rd

تحميل العدد

هل الإلحاد لاعقلاني؟

(جاري جتنج) مع (ألفن بلانتنجا)
ترجمة وتعليق: عبدالله بن سعيد الشهري

88588

إقرأ المزيد

تسجيل الدخول