الداروينية.. إعادة المحاكمة

 يقول داروين في كتابه أصل الأنواع:

"إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو معقد لا يُرجَّح أنه قد تشكل عن طريق العديد من التعديلات المتعاقبة و الطفيفة، فسوف تنهار نظريتي تماما".(1)

يعتبر بعض المتحمسين لداروين مقولته السابقة دعوة  "للتحدي"، في حين يرجعها المتابعون إلى  "الشك" و عدم الثقة المتأصلان في نظريته التي تناقش "أصل الأنواع".
أيا كان المقصد، فأطروحتنا التي بين أيديكم اليوم هي استجابة لدعوة داروين أو تأكيدا لشكه و التبعات هو من وضعها.

  • ما هي الحياة و كيف يدحض تعقيدها الداروينية؟
  • ما هي تلك النظم الحيوية غير القابلة للاختزال، و كيف تمعن في تحدي الداروينية؟
  • كيف تعاطى أنصار التطور مع تلك المعضلة، و هل استطاع  "كينيث ميلر" تخطيها و تفنيدها كما ادعى خلال شهادته في محاكمة التصميم الذكي الشهيرة "دوفر"؟؟
  • هل تكسب تلك النظم مضاربة داروين و تحقق توقعه بانهيار نظريته أم تؤكد أنها مازالت عقيدة مادية راسخة؟


هنا  نحاول الإجابة على هذه الأسئلة فتابعوا:

"الداروينية.. إعادة المحاكمة"

ما هي الحياة؟    
الفرق بين (الحى والميت)، (الحياة و الجماد)      
هكذا ظل منتهى علمنا بالحياة حبيسا داخل حدود هذا التوصيف،
فالحياة هي اللغز الأعظم الذي حير الفلاسفة و أعجز البيولوجيون و أعيى أجيالا متعاقبة من الباحثين.

فـ"الروح" هي الكينونة المبهمة بداخل كل مخلوق حي تميزه عن الجماد و تفارق بدنه عند الموت، سألت عنها اليهود رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأجاب إجابة واضحة مباشرة بما أوحى به اليه ربنا ‏سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء: 85]. 

 

كان هناك دائما و منذ بدأت الثورة العلمية نزاع  يدور رحاه في أوساط المعرفة البيولوجية حول توصيف "الحياة" و مصدريتها كتصميم، انقسمت فيه الآراء إلى معسكرين: أحدهما يعلن أن الكائنات الحية ليست مختلفة إطلاقا عن المادة غير الحية، و كانوا يدعون أنفسهم أحيانا بالآليين mechanists  أو الفيزيقيين physicalists  و على الجانب المضاد؛ يقف معسكر يدعى أصحابه الحياتيين vitalists  و كانوا ينادون برأي مفاده أن للكائنات الحية خصائص لا يمكن وجودها في المادة الخاملة و أن المفاهيم البيولوجية لا يمكن أن تكون خاضعة لقوانين الفيزياء و الكيمياء.

 

 استمدت الحياتية منهجا راسخا بداية من القرن السابع عشر، و شكلت عقبة قوية في وجه الفلسفة الآلية المادية التي قالت أن الحيوان ما هو إلا آلة، و أن كل مظاهر الحياة هي عبارة مادة في حالة حركة.

 

و تبنت الحياتية فكرة وجود مادة خاصة وقوة حيوية غير موجودة في الجمادات هي ما تميز الحياة، و كان كثير من أتباع تلك المدرسة من الغائيين teleolgists الذين يعتقدون أن الحياة وجدت لتحقيق غاية أخروية.

تسبب تشبث الحياتية بوجود تلك "القوة الحيوية" المبهمة في التعجيل من سقوطها باعتبارها فكرة ميتافيزيقية أكثر منها علمية حتى انزوت تقريبا من المشهد العلمي، مع بدايات القرن العشرين مع صعود الفلسفة المادية و النهج العلماني في تناول البيولوجيا.          
ففي أواخر القرن التاسع عشر أتت الداروينية حاملة في كنفها نزعة مادية عاتية، كمخرج من سطوة الفكر الديني الأنجليكاني الذي تسيد المشهد البيولوجي آنذاك، فأنكرت وجود الغاية الكونية، و استبدلتها بقانون الانتخاب الطبيعي لقيادة التنوع الأحيائي من خلال مبدأ الصراع من أجل البقاء، بالإضافة إلى نهج التبسيط و الارتقاء الذي يحاول تخطى معضلة تعقيد الحياة في الوقت الذي كانت فيه دراسة الطبيعة طريقا إلى معرفة الله، و حين كان مشاهير علماء التاريخ الطبيعي يلتمسون التقوى من خلال ذلك، مثل جلبرت وايت الذي ألّف كتابا عن اكتساب المعرفة بالملاحظة عنوانه "التاريخ الطبيعي لسلبورن" و الباحث الموسوعي و فيلسوف العلم ويليام هيويل الذي ألّف "رسائل بريدجووتر" التي تناقش حكمة الله و قدرته و دوره المباشر في خلق العالم الطبيعي، و العالم الشهير ويليام بالي الذي كتب "التاريخ الطبيعي اللاهوتي" و عنوانه الفرعي "الأدلة على وجود الذات الإلهية وصفاتها مأخوذة من مظاهر الطبيعة"، و منه انتشر تشبيه صانع الساعات الإلهي حين قال: "عندما نجد ساعة قابعة فوق الأرض نستنتج بداهة أن حرفيا ذكيا قد صنعها، و عندما نجد حيوانات و نباتات صممت تصميما معقدا و تتكيف على نحو رائع، ينبغي بالمثل أن نستنتج أن خالقا قديرا حكيما قد صنعها".

 

 

لتحميل البحث بالكامل يرجى الضغط هنا

العدد الرابع من مجلة براهين

(يونيو 2015 - شعبان 1436)

mag-3rd

تحميل العدد

هل الإلحاد لاعقلاني؟

(جاري جتنج) مع (ألفن بلانتنجا)
ترجمة وتعليق: عبدالله بن سعيد الشهري

88588

إقرأ المزيد

تسجيل الدخول