الأخلاق: مبهاة أهل الأديان

 

يعتمد الملحدون العرب بشكل كامل على جهود الإستشراق والإلحاد الغربي وأساطير ما قبل الحداثة. من هذه الأساطير أن التلقين والحفظ سبب لتخلف النشء، وضعف الملكة الفكرية عند الفرد، وقد تحدث الدكتور المسيري رحمه الله بمنتهى الحسرة عن هذه النقطة فقال في كتابه رحلتي الفكرية ص 442 :- ( وكانت المفاجأة الثانية في جامعة كولومبيا فقد كانت إحدى البديهيات التي تعلمناها أن مشكلة المشكلات في التعليم المصري هي التركيز على حفظ الدروس وعن ظهر قلب فكل شيء يُحفظ - ويتمتم بعضهم بأن الحفظ يعود بجذوره إلى التعليم الديني ومركزية القرآن - ولكن حين وصلت إلى جامعة كولومبيا فوجئت أنه كان المطلوب منا أن نحفظ عن ظهر قلب بعض قصائد الشعر الرومانتيكي وحين سألت عن السبب قيل لي إن الحفظ يعد من أحسن آليات إنشاء المودة والحميمية بين الطالب والنص ثم عرفت بعد ذلك أن النظام التعليمي في اليابان لا يحتقر الحفظ على الإنسان بل يوظفه . ثم تعلمنا أنه في كثير من العلوم الإنسانية لابد أن يقوم الطالب بحفظ بعض القواعد والعناصر الأساسية عن ظهر قلب. فتسلل الشك إلى قلبي في يقيني القديم المطلق وأحسست أن رفضنا الكامل للحفظ كان هو في واقع الأمر تحيزا أعمى ضد تراثنا وتحيزا أكثر عماءا لأحد مقولات الفكر التقدمي الغربي التي نقلناها وحفظناها عن ظهر قلب وكأنها مقولة علمية مطلقة لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها )

لكنهم - الملحدون العرب - عودونا دائمًا على اللطم والصراخ والعويل والنحيب في حين أنه لا عزاء ولا فقيد!

وإذا أردنا أن نتحدث عن الأخلاق؛ مبهاة أصحاب الأديان، والحجة الأولى والأكبر لأهل الإيمان والتي يحق لنا أن نحتج بها كل يوم على بني لحدان ..

- ففي البداية: الأخلاق نوعان:

- أخلاق مصلحية منفعية أنانية مادية وهي تسمى أخلاق المجتمع -أُعاملك بأدب كي تعاملني بأدب- وهذه تسمى أخلاق النفاق وهذه ليست الأخلاق الأصيلة التي يؤسس لها الأخلاقيون – أنبياء ومصلحين- عبر كل العصور والأزمان.

- وهناك النوع الثاني من الأخلاق وهذه تسمى الأخلاق الأصيلة وهي الأصل والأساس وهي تأتي ضد المصلحة الشخصية.. أخلاق غير مربحة عمليا... ضد المادة.. ضد العقل.. لم يتم الرهنة عليها عمليا أو عقليا إلى يومنا هذا.. وهي مثل أخلاق الزهد والتبتل والتضحية والعمل الأخلاقي غير المقترن بفائدة مادية أو رياء أو منفعة شخصية.

- هذا النوع الثاني من الأخلاق لا وجود له في العالم الإلحادي بل إن وجوده أو الاعتراف بوجوده هو أكبر ضربة يمكن توجيهها لهذا الفكر على الإطلاق، يقول نيشه في كتابه هكذا تكلم زرادشت: (اقهر الضعفـاء اصعد فوقجثثهم .. هكذا تكون ابن الطبيعة)

ويقول المفكر الإنجليزي الشهير جون لوك :- (إذاكان كُل أمل الإنسان قاصرا على هذا العالم وإذا كنا نستمتع بالحيـاة هنا في هذهالدنيـا فحسب فليس غريبا ولا مجافيـا للمنطق أن نبحث عن السعادة ولو على حسابالآباء والأبنـاء)

- فالإنسـان من منظور مادي أرضي هو كائن عضوي ذو ثلاثة أبعاد.حدود الطبيعة هي حدوده، يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية، فهو شيء بينالأشياء، يمكن دراسته في إطار دوافعه الاقتصادية والمادية فحسب وبالتالي فإن أي حديث عن الأخلاق من النوع الثاني هو ضرب من القول بالميتافيزيقيا وإدخال عناصر غير مادية على النموذج الإلحادي المادي المُجرد فالأخلاق تمثل ثغرةفي النظـام الطبيعي.تمثل تمردًا على قوانين المادة .. وعندما دخل الإنسان الأول إلى التاريخ برأس مال أخلاقي مبدئي هائل كان في هذه اللحظة يؤكد على أصالة ظهوره و تمرده على الطبيعة التي نشأ منها... وصار هو المركز والطبيعة هي الهامش وصار سموه وترفعه وحريته قيم دينية مجرده لا يمكن بحال ردها إلى النظام المادي المجرد.

وهنا يكون الإله هو الشرط الوحيد لسمو الإنسان وحريته وأخلاقه ومبادئه وقيمه فالأخلاق الأصيلة تستمد قيمتها من عالم آخر عالم لا علاقة له إطلاقا بعالمنا المادي المجرد وبدون هذا العالم الآخر تتحول الأخلاق إلى مجرد لغو فارغ ووهم يستحيل أصلا التنبؤ بوجوده لعدم وجوده فما بالنا وهو موجود بل وحتى أعتى الملحدين يدعي أنه على أخلاق وهو بذلك ودون أن يدري يُسقط المنظومة الإلحادية بأكملها.

على المستوى الفكري تقريبا تنتهي كل الحوارات الدينية الإلحادية في مسألة الأخلاق بالهروب المخزي للملحد في اثناء الحوار لأن الملحد مقيد بالمنظور المادي كتفسير وحيد لأي ظاهرة وجودية أو إنسانية ولذا يعجز هذا التفسير المادي في تحليل ظاهرة الأخلاق والقيم والتضحية والبذل والزهد والتبتل... أما الذين يقولون أن الأخلاق في هذا الإطار تكون طمعا في الجنة وبالتالي لها مغزى مادي فهنا الجواب يكون من شقين

الشق الأول : هذا يعني أن الملحد ينكر كل الأخلاق الأصيلة ولا يؤمن إلا بأخلاق النفاق وهذا يعني أن الإلحاد بالفعل هو دين الشيطان تم التأسيس له كمذهب عقلي لأنه لا يقول لك افعل كل الفواحش والمنكرات وأنت في حِل من كل شيء إلا الملحد والشيطان ..

وإما أن الملحد يقول بوجود الأخلاق الأصيلة وبالتالي انتهى الحوار قبل أن يبدأ لأنه أدخل على إلحاده حلولا غير مادية وتحليلات غير فيزيائية وأطروحات خارج الإطار الفيزيقي وبالتالي انتهى الحوار وانتهى الإلحاد.

الشق الثاني : أن الإيمان بالجنة والنار يكون تبعا لا أصلا يعني نحن أسلمنا والتزمنا وعبدنا الله وفعلنا الأخلاق لأننا آمنا بالله ودخلنا في الإسلام، ويأتي الإيمان بالجنة والنار واليوم الآخر تبعا لإسلامنا .. فنحن لم ندخل الإسلام لخوفنا من النار بل نحن لم نعِ وجود النار أو الجنة إلا بعد أن دخلنا الإسلام وأقررنا بالالتزام بأوامره ونواهيه .. فقضية الإيمان هي قضية غيبية محضة في أصلها ويأتي الثواب والعقاب تابعان للقضية الإيمانية وإلا فإن كل الأديان بها ثواب وعقاب فهل نحن نؤمن بكل الأديان رجاء الثواب وخوفا من العقاب؟

وصراحة هذه الحجة الأخيرة التي احتج بها الملحد علينا رجاء أن يجد مخرجا من فخ الأخلاق الأصلية تذكرني بمثال الشاب الصالح الذي بعد أن انهى عمله ذهب إلى بيته مباشرة ولم يدخل نادي القمار كما فعل أصحابه وفي الصباح علم أن نادي القمار اشتعل نارا بمن فيه..

فيأتي الملحد ويقول هذا الشاب لم يذهب لنادي القمار خوفا من أن يشتعل نادي القمار أم الأصح أن نقول أن حُرمة الفعل هي السبب المباشر في أن هذا الشاب لم يذهب لنادي القمار؟

- ونعود للنوع الأول الذي ذكرناه ونأخذ مثالًا، بيل جيتس -على سبيل المثال- الذي يتحدث الملاحدة كثيرا عن أعماله الخيرية هو نفسه يعترف أن الأعمال الخيرية التي يقوم بها هي في سبيل بحثه عن السعادة لأنه يفقد السعادة في حياته إذن تصب أعماله الخيرية في سبيل مصلحته الشخصية أيضا فكما يقول نيتشه بعض الناس يمكن أن يضحي بنفسه في سبيل مصلحته الشخصية ولا عجب.

إذن بيل جيتس أو الملحد عموما لو وجد مصلحته الشخصية في تعذيب الفقراء فلن يتواني عن فعل ذلك وأمامنا مثال حي على ذلك وهو هتلر الذي وجد أن تفريغ ألمانيا من الأغيار –اليهود والغجر والسلاف والأقزام– مصلحة شخصية واعتبر إحراق هؤلاء الأغيار في أفران الغاز مجرد أدشاش تطهير لألمانيا.

بل والمفاجأة أن بيل جيتس هذا المحب للخير وللفقراء يدعم مشروع إبادة الفقراء عن طريق التعقيم اليوجيني Eugenics –تمرير الفقراء على أشعة إكس عالية التردد مما يؤدي إلى تدمير خلايا الإخصاب في الخصية وبالتالي عدم القدرة على الإنجاب نهائيا– حيث يرى أنه على البشرية أن تتقلص إلى مليار نسمة فقط لا غير وبما أن الإعقام اليوجيني عملية مرهقة وذات سمعة سيئة فهو يرى أن الحل الأمثل في التعقيم عن طريق تطعيمات الرضع.. وهكذا فالملحد يبحث عن مصلحته الشخصية حتى وهو في أقصى درجات السمو الخلقي.. وفي أقصى درجات السمو الخلقي هذه يتصرف أيضا كحيوان لا إنسان ..!!

العدد الرابع من مجلة براهين

(يونيو 2015 - شعبان 1436)

mag-3rd

تحميل العدد

هل الإلحاد لاعقلاني؟

(جاري جتنج) مع (ألفن بلانتنجا)
ترجمة وتعليق: عبدالله بن سعيد الشهري

88588

إقرأ المزيد

تسجيل الدخول