السببية

بين الفلسفة والعلم التجريبي

 

تناول القرآن قضية وجود الله بأدلة منها دليل السببية ، قال تعالى (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ).(1) ولأن السببية هي أكثر الأدلة شهرة، تناولتها كل كتب الفلسفة تقريبا من قبل أرسطو، ولكنها لم تهاجم بالشكل القوي إلا على لسان هيوم، والذي يعتبر ناقلًا لكلام أبي حامد الغزالي نصا حولها مع اختلاف هدف نقد السببية من كليهما، ومن عصر هيوم إلى الآن في كل مناقشة إلحادية تقريبا تجد الحديث عنها، ولأن العلم التجريبي قائم علي السببية والاستقراء، تفاخر به التجريبيون كأنه المخلص لهم من خرافات الفلاسفة، كانت السببية أيضًا –كما سترى- معضلة حقيقية!
يقول هيوم: "رؤية أي شيئين أو فعلين، مهما تكن العلاقة بينهما، لا يمكن أن تعطينا أي فكرة عن قوة، أو ارتباط بينهما وأن هذه الفكرة تنشأ عن تكرار وجودهما معا، وأن التكرار لا يكشف ولا يحدث أي شيء في الموضوعات، وإنما يؤثر فقط في العقل بذلك الانتقال المعتاد الذي يحدثه، وأن هذا الانتقال المعتاد من العلة إلى المعلول هو : القوة والضرورة"، ثم يقول: "وليست لدينا أية فكرة عن العلة والمعلول غير فكرة عن أشياء كانت مرتبطة دائما ، وفي جميع الأحوال الماضية بدت غير منفصلة بعضها عن بعض ، وليس في وسعنا النفوذ إلى سبب هذا الارتباط. وإنما نحن نلاحظ هذه الواقعة فقط، ونجد أنه تبعا لهذا الارتباط المستمر فإن الأشياء تتحد بالضرورة في الخيال. فإذا حضر انطباع الواحد كوَّنا نحن في الحال فكرة زميله المرتبط به في العادة).(2)


- كلام هيوم يرتكز على نقطتين: تكرار التجارب، ضرورة نفسية وليست موضوعية أما التكرار فشيء عجيب أن يستدل به فتكرار تعاقب الليل والنهار أمام العقل أدعى لخلق معنى السببية في العقل واعتقاد أن أحدهما سبب للآخر، وتفسير العلة بالإدراك المتتابع خطأ، أي أنك تدرك الشيء (أ) ثم تدرك الشيء (ب) فإذا تكرر معني مشترك بينهما (العلة) جلب العقل هذا المعني بينهما وهذا منقوض بالكثير فمثلا: حركة اليد والقلم أثناء الكتابة متلازمتان زمانا ومكانا ومع ذلك أدرك العقل سببيتهما! ثم إن الضرورة التي تكلم عنها من أين للعقل بها ؟! وكيف استطاع التمييز بين مجرد التكرار والعلية؟!
- قرر Roy Bhaskar أن الحواس تحتاج محفزًا أو مثيرًا من خارجها هذا المحفز ذاته ناشئ عن سببية وقوع مؤثر على الحواس والحواس لم تكن لتتحفز إلا بمحفز، هل هذا المحفز من الحواس نفسها؟ هذا باطل طبعا، هل المحفز مستقل عن الحواس؟ بالضرورة التامة: نعم! ولكن ما الذي يُدرك هذه العملية التبادلية بين الحواس وما يحفزها؟ الذي يدرك ذلك هو الوعي، فالوعي يكشف أن هناك سببية من خلال هذه العملية(3) بمعني :  الإنسان المتصور وجوده في عالم آخر مهما كانت قوانين هذا العالم سيكتشف السببية من ذاته هو وليس من خارجها.
يقول ابن حزم : (الاستدلال على الشيء لا يكون إلا في زمان ولا بد ضرورة أن يعلم ذلك بأول العقل لأنه قد علم بضرورة العقل أنه لا يكون شيء مما في العالم إلا في وقت وليس بين أول أوقات تمييز النفس في هذا العالم وبين إدراكها لكل ما ذكرنا مهلة البتة، لا دقيقة ولا جليلة ولا سبيل على ذلك فصح أنها ضرورات أوقعها الله في النفس ولا سبيل إلى الاستدلال)(4) وقال أيضا "الصبي الصغير في أول تمييزه إذا أعطيته تمرتين بكى وإذا زدته ثالثة سر وهذا علم منه بأن الكل أكثر من الجزء وإن كان لا يتنبه لتحديد ما يعرف من ذلك ومن ذلك علمه بأن لا يجتمع المتضادان فإنك إذا وقفته قسرا بكى ونزع إلى القعود علما منه بأنه لا يكون قائما قاعدا معا".
- فالحيز المعرفي الذي يدركه العقل ابتداء أوسع بكثير من التجربة وإن كانت هي التي استثارته، ثم من خلال جزيئات مجتمع حكم فيها يعمم العقل لترسخ السببية وانسجام الكون بداخله، ومن ذلك الحقل المعرفي الكبير للرياضيات والذي لا يتحقق تجريبا إلا جزء يسير منه رغم الإيمان العميق بها!
- ومن هنا ندخل لشبهة أخري حول السببية: هل السببية متعلقة بعالمنا فقط أم متعلقة بأي وجود؟  وكيف تعممها رغم أنها من كوننا فقط؟! وهل تطبق على الله؟
فنقول: تستدل بناء على السببية بافتراض عوالم أخرى ثم تقول هل السببية تطبق عليها أم لا؟!
السببية ليست شيئا حادثا إنما قانون يتعلق بالوجود من حيث هو هو ، فالعلاقة أزلية على كل موجود والتي يدركها العقل أولًا ليس هذه إنما يدرك سببية بين حوادث ثم يعممها على كل موجود، فالقانون الأزلي قانون متعلق بكل موجود قديم وحادث والقانون الكوني بين الحوادث فقط والثاني موصل للأخر لكن ليس هو والذي يفعله الملحد هو الخلط بين الكوني والأزلي ثم يأتي ويقول لنا : من خلق الله إذا ؟!

أليست السببية الأزلية لمنع التسلسل؟! فكيف تقدح فيها بالكونية الحادثة؟! (قريب من خلط الأشاعرة) كذلك الموجودات فتصور الوجود من جزئيات لكن تصور الوجود المطلق تجاوزها فهل نطبق ما على الجزئي على الكلي؟! وهل يتصور كونا جديدا به شيء غير موجود ولا معدوم؟! ينتج من ذلك أن القدح في السببية الكونية هو قدح في كل كل العلوم التجريبية القائمة عليها وإنكار لبدهية عقلية كامنة في النفس وهي السببية المتعلق بجنس أي موجود.
- من الإشكالات التافهة دعوى أن ميكانيكا الكم ألغت نظام السببية، وهذا خلط غريب بين السببية والحتمية ومحاولة إخضاع عالم جديد لقوانين كلاسيكية! وإلا فظاهرة التعلق تعتمد علي السببية بشكل ظاهر.

• إلزام لمن يعتبر السببية أو أي من الأوليات العقلية تجريبية وليست ضرورية؛ قريب من قولنا في التفريق بين السببية الكونية والأزلية الوجودية هو الاستحالة العادية والاستحالة المطلقة، فالعقل يدرك أن طيران إنسان مستحيلا فيزيائيا عاديا، ولكنه غير مستحيل عقلا، فمن الممكن أن يوجد إنسان ذو عضلات مرنة تمكنه من ذلك. بخلاف اجتماع النقيضين علي نفس المحل في نفس الزمن، فذاك مستحيل عقلي أزلا، كاجتماع الوجود والعدم علي نفس المحل في نفس الزمن فيلزم التجريبي عدم التفريق بينهما وبالتالي الإقرار بأنه لا استحالة، وعلى ذلك يمكن أن يكون هو نفسه موجودًا وغير موجود!

أو يقر بالتفريق ونسـأله حينها من أين للعقل التفريق وكلاهما تجريبي علي كلامك؟! فثبت بذلك أن الحقل المعرفي الذي يدركه العقل أوسع بكثير من الحيز الفيزيائي الذي يتعامل معه بل أن الأوليات العقلية تكون موجودة قبل التعامل معه وجودا بالقوة وهو مستحث لها فقط.(4)
الخلاصة: إنكار السببية للفرار من وجود الله يهدم بنيان العلم الطبيعي والرياضي الذي يتشبث به كل ملحد في الوصول للحقائق.


 (1) (سورة الطور: 35)
(2) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، مبحث في الطبيعة الإنسانية، 2/615.
(3) مقدمة كتابه Realist Theory of Science  .
(4) فلسفتنا - محمد باقر الصدر.

العدد الرابع من مجلة براهين

(يونيو 2015 - شعبان 1436)

mag-3rd

تحميل العدد

هل الإلحاد لاعقلاني؟

(جاري جتنج) مع (ألفن بلانتنجا)
ترجمة وتعليق: عبدالله بن سعيد الشهري

88588

إقرأ المزيد

تسجيل الدخول