كلمة عن تفاصيل الحالة

الإلحادية الجديدة

اكتسب الحديث عن الإلحاد الجديد زخمًا إضافيًّا في الآونة الأخيرة. هذا الزخم اكتسب قوته من عاملين رئيسيين:

الأول: حساسية الموضوع البالغة في المجتمع العربي والسعودي على وجه الخصوص.

الثاني: طبيعة الأسئلة ونوعية الإشكالات التي أثارها هذا الحدث، والتي لم تقتصر على البعد الديني أو الشرعي فقط، وإنما امتدت إلى قضايا التربية والتعليم، والحقوق، والسياسة، والمجتمع، والثقافة.

01
في هذه الأسطر القليلة، سوف أتجاوز الحديث عن السمات التفصيلية لـ الإلحاد الجديد، والتي يمكن بأدنى تأمل تلمُّس تضاريسها الرئيسية بأدنى استقراء للمخرجات الإلحادية في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات وسائر المواقع المهتمة باستنساخ الإلحاد الغربي أو إعادة إنتاجه في بيئتنا المحلية.

المسألة المهمة التي أود من القارئ الكريم أن يدرك أبعادها ومراميها جيدًا في هذا السياق هي أن الإلحاد الجديد ليس حاجة معرفية يفرضها العقل فرضًا على وعي الإنسان المعاصر، فضلاً عن إنسان التاريخ الحديث وما قبل الحديث، وليس حاجة معنوية تلح على النفس إلحاح الأسئلة الكبرى التي أرَّقت البشرية منذ اعترفت بعجزها وقلة حولها وقوتها في مسرح كوني مترامي الأطراف، وإنما هو بالدرجة الأولى "إفراز عَرَضي" -إلا أنه قوي- لسياق حضاري ثقافي بدأ في التشكُّل على نحو جدلي مركَّز عبر قرنين متتاليين من الزمان، أي -تقريبًا- منذ أوائل القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا. في هذه الحقبة مرَّت القارة الأوروبية بعواصف فكرية رهيبة وأحداث تاريخية وسياسية وثقافية مُزلزلة، اضطربت معها هوية الإنسان الأوروبي اضطرابًا هائلاً، وتدهورت فيها قدرته على استبقاء الاتزان، وفهم الصورة الكلية للوجود فهمًا متكامل العناصر، لا متنافرها، الأمر الذي حدا بفيلسوف مؤثِّر مثل كن والبر إلى كتابة سلسلته الشهيرة في طبيعة الوعي، وأزمته، وأصله، والمآل الذي انتهى إليه. حقًّا لقد غدت الحالة الأوروبية المادة الخام التي اقتات عليها واشتهر بها جمعٌ غفيرٌ من كبار النقاد والمحللين لأزمة الإنسان الأوروبي [1].

نعم، لا شك أننا بحاجة لفهم تفاصيل الحالة الإلحادية الجديدة، ولكن الأهم من هذا هو ألا نقع في فخ مغالطة فلسفية كبيرة حول حركة التاريخ، ألا وهي: تصوُّر الإلحاد في ثوبه الجديد على أنه حالة إفاقة للإنسان من وهم كبير، أو تصوُّره على أنه المحصلة النهائية الطبيعية لمغامرة الإنسان الطويلة في البحث عن الحقيقة. يجب عليك أيها القارئ أن تتأمل هذا التحذير حق التأمل، وتأخذه على محمل الجد، بل تضعه نصب عينيك في كل مرة تريد فيها الاقتراب من فهم إلحاد القرن الحادي والعشرين.

هذه المغالطة الفلسفية - اللاواعية في كثير من الأحايين - في تفسير حركة التاريخ هي التي اتكأ على جنسها "فرانسيس فوكوياما" في "نهاية التاريخ"، مُشرِّعًا -بقصد أو بدون قصد- ضرورة اقتلاع كل نسق ثقافي يفكِّر، مجرد تفكير، في الوقوف أمام "تسونامي" الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية الغربية.

إن فهم الصورة الكبيرة مهم جدًّا لإعطاء الأحداث حجمها الصحيح، وتجنب تحميل كثير من الملفات مالا تحتمله من إيحاءات ودلالات ربما تكون في أحسن الأحوال مصدر قلق وتشويش على الوعي، وفي أسوأ الأحوال أساس انحراف كبير في التصورات والتفسيرات.

نحن أمام موجة حضارية متعالية على الواقع ومعطيات التاريخ، فإما أن نتصدى لها ونبادرها بموجة ثقافية تعيد الاتزان للوعي الغربي المنفلت [2] ، أو نظل في موقع الدفاع والعلاج وتضميد الجراح -كما فعلنا ونفعل الآن- إلى أن يأتي الله بأمره.

الإلحاد الجديد من حيث هو نزعة متغطرسة للوعي في اتجاه معين؛ لا ينبغي أن يقلقنا؛ فإن سنن الخالق التاريخية كفيلة بأن تؤدب النشوز الإنساني تأديبًا بالغ القسوة إذا ما جاوز البشرُ الحدَّ الذي لا يجوز لهم تعدِّيه. أما من حيث هو قدر كوني يستخرج الله به معاني الصبر والجهاد والمجاهدة -كسائر أقدار الله الكونية- على طريق تحقيق إرادته الشرعية؛ فهو منحة ربانية للمؤمنين؛ تجمع شملهم، وتجدد إيمانهم، وتقوي شوكتهم، وتُذكي وعيهم، وتصقل معرفتهم، وتدلهم على المحتاج فيهم، والحائر منهم، ومواضع الخلل لديهم، فيتَّحدوا للعمل، ويهبُّوا للمساعدة، شعارهم الأكبر {كُنتمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ للنَّاسِ} [آل عمران : 110].

الإلحاد الجديد ليس ريتشارد دوكنز، ولا كريستوفر هيتشنز، ولا سام هاريس، ولا دانييل دينيت، ولا أنثني جريلنج، ولا بول مايرز، ولا مايكل روز، ولا ستيفن بنكر، ...إلخ، والقائمة تطول.

الإلحاد الجديد ليس أسماءً، ولا شخوصًا. الإلحاد الجديد في حقيقته وفي لبه نموذج ذهني طارئ على العلم والتاريخ، صنعته مجموعة من الفرضيات الواعية وغير الواعية تجاه الحياة والكون المنظور والوجود ككل. هذا ما نحتاج أن نعيه جيدًا عند أية محاولة جادة لفهم الإلحاد الجديد والوقاية منه والهجوم عليه. الإلحاد قابل للنقد، وقابل للدَّحض، وقابل للزوال، ومن شأنه أن يكون كذلك ليكون للإيمان معنى وللحياة مغزى.


[1] ليون تروتسكي، هربرت ماركوز، سبنجلر، جاي ديبورد، إيريك فروم، هوركهايمر، أدورنو، سيجموند فرويد، وآخرون.

[2] يصف وليم تشيتيك نموذج التصور القابع في الوعي الغربي على أنه نموذج متناثر ينزع للتفكيك بينما يصف نموذج التصور الإسلامي للوجود بأنه متكامل، توحيدي، وبطبيعته ينحى هذا المنحى.

العدد الرابع من مجلة براهين

(يونيو 2015 - شعبان 1436)

mag-3rd

تحميل العدد

هل الإلحاد لاعقلاني؟

(جاري جتنج) مع (ألفن بلانتنجا)
ترجمة وتعليق: عبدالله بن سعيد الشهري

88588

إقرأ المزيد

تسجيل الدخول