هناك إله: كيف غير أشرس ملاحدة العالم أفكاره؟


تأليف: أنتوني فلو

ترجمة: جنات جمال

تقديم: د. محمد العوضي

الطبعة: الأولى 2016م

عدد الصفحات: 256

مقاس الكتاب: 17 * 24 سم


أنتوني فلو... وجدلية (النص) و(الـشخص)

ما درجة قوة حُجيَّة انقلاب رمز فكري على قناعاته القديمة، وتراجعه عن مفاهيم أفنى حياته في التبشير بها، وقيامه بكامل وعيه بنقض الأسس العقلية لبنائه المعرفي السابق؟ في أي مراتب الحجج المنطقية نضع هذا التحول الفكري؟ هل نحن أمام حجة برهانية أم جدلية أم خطابية أم شعورية أم مغالطية (سفسطية) على حسب تقسيم المناطقة؟

نبدأ التصدير لكتاب (هناك إله) بهذه التساؤلات لعدة اعتبارات، أولًا موقع الشخصية التي نحن بصدد الكلام عنها أنتوني فلو، وثانيا ما ترتب على قناعاته الجديدة المعلنة من ضجة إعلامية يهمني منها ردود أفعال المعسكرين "المؤمنين" و"الملحدين"، وعلو صوت العاطفة عند ناشطي كلا الفريقين وقد تجلت ثنائية "التهويل" من المؤمنين و"التهوين" من الملحدين للحدث ذاته، لتكشف نزعة التحيز المسبقة لدى الإنسان بما فيهم النخب من كل الاتجاهات على تفاوت بين الأفراد.

وهي قضية متجددة كلما أعلن رمز فعَّال عن تراجعه أو تمرده على قناعته وموروثه الفكري الإيماني أو المادي أو التاريخي. ومن أمثلة ذلك في عالمنا العربي يبرز اسم عبدالله القصيمي الذي يحتفل الملاحدة بردته العنيفة عن التوحيد، التي شحن بها كتبه الناقدة الساخرة بالرب والدين. وفي المقابل احتفى المؤمنون بعودة د. مصطفى محمود إلى الإيمان بعد إلحاده المستفز، وبما قدمه لنصرة الدين في برنامجه الشهير العلم والإيمان في قرابة ٤٠٠ حلقة بالإضافة إلى مؤلفاته العديدة. وكما زغرد أهل الإيمان بعودة الفيزيائي پول ديڤيز إلى الإيمان بالله والمصمم الذكي بعد إلحاده، رقص الملاحدة طربا بإعلان الفيزيائي ستيفن هوكينج باستغناء الكون عن الخالق في كتابه التصميم العظيم.

وكيف سيتلقى كلا المعسكرين المتناقضين النتيجة النهائية لقناعة ستيف چوبز في الإله التي ختم بها ولتر أيزيكسون Walter Isaacson كتابه عن حياة چوبز ونصها: (احتمالية الإيمان بالله بالنسبة لي خمسين خمسين...).

بعد هذه التساؤلات أعلق بإيجاز مبينا خلل التفكير والتعبير في التعاطي مع هذا التجاذب من خلال جدلية (النص والشخص) على شكل نقاط:

• في الوقت الذي ينعى فيه الملاحدة على المؤمنين أنهم اتخذوا من رجوع أنتوني فلو (الشخص) عن الإلحاد حجة لهم مهولين من شأنه، فإنهم مارسوا المنطق ذاته بطريقة عكسية، وعلى رأسهم ريتشارد دوكينز. فبدلا من أن يناقش أدلة فلو (النص)، قفز إلى التهوين من (الشخص) معللا رجوعه عن إلحاده بكبر سنه ومحاولته لجلب أضواء الإعلام. فماذا يسمي الملاحدة موقف دوكينز من فلو دون اطلاعه على أدلته؟

• اعترض البعض على أنتوني فلو بأنه مختص في الفلسفة، فكيف يقحم نفسه في مناقشة أدلة البيولوجيين والفلكيين والفيزيائيين في كتابه؟!

وهذا اعتراض فيه مغالطة تتكرر بصور متعددة، يوردها المحتجون الذين يردون على إلحاد علماء الطبيعة كهوكينج ولورانس كراوس. والجواب أن الاعتراض ليس على تفاصيل علومهم البحتة، وإنما على الاستنتاجات الفلسفية المغلوطة المستندة إلى تلك العلوم. ثم إن المثقفين من كل الاتجاهات، يستشهدون بالنظريات العلمية، كقوانين نيوتن للحركة، ونسبية أينشتاين العامة والخاصة، ومبدأ عدم التأكد لهايزنبرج، وفيزياء الكوانتم، والانفجار الكبير وغيرها الكثير؛ يستشهدون من حيث الفكرة الكلية للنظرية، لا من باب الدرس التفصيلي التعليمي.

• الباحث الهازل والمتحيز يطوي أدلة خصمه (النص)، أو يحيطها بحجاب من الغموض أو التجاهل التام؛ مركزا على (الشخص). بينما الجادون والموضوعيون في قراءة أفكار خصومهم، يقرون بوجاهتها وقوتها، وبعد مناقشتها يحددون موقفهم منها.

وهذا ما فعله أنتوني فلو، وهو ما يميزه، وهنا تبز أهمية صلة (شخصيته) (بنصه). فنحن لسنا أمام مفكر تراجع فحسب، وإنما مع إرادة صادقة في البحث عن الحقيقة، وجهد متواصل في مراجعة المفاهيم ومحاكمتها. لذا كان د. عمرو شريف موفقاً عندما عنون دراسته لكتاب فلو بـ(رحلة عقل) محللا التجربة المكتنزة بالمعارف والقواعد والنتائج، والشجاعة الأدبية في نقد الذات علنا.

• استثمار ردود الخصوم؛ أحد سمات هذا المفكر أنه يقرأ ردود ناقدي فكره قراءة من يبحث عن جوانب الضعف في أدلته، ومن ثم يصحح خطأه. وهذا ما طور رؤيته، بخلاف رفاق دربه من الملاحدة.

• ولم يكتف فلو بالرجوع إلى المراجع العلمية في بحوثة، وإنما تواصل مع أهل الاختصاص –ومنهم جيرالد شرودر وجون هالدن– لفحص أطروحاته، كما في جاء في شهادته المتلفزة وأكد ذلك في كتابه.

• ومن مهمات المؤثرات في مراجعاته الفكرية، ما صرح به في كتابه من أن الاكتشافات العلمية جعلته كملحد يشعر بالحرج من إلحاده. وبالمقارنة مع غيره، فإن العلم يدفعهم لتبني الخرافة تحيزا لجمودهم الفكري، ولعل ريتشارد دوكينز نموذج واضح لكل من استمع إلى إجابته على سؤال نشأة الحياة.

• (حيثما قادك الدليل فاتبعه)؛ هذه التي اتخذها فلو شعارا في حياته وبحثه عن الحقيقة، هي التي ارتقت بمفاهيمه وجعلته يحاكم قناعاته؛ أسئلة البدايات الوجودية، ومشكلة الشرور والآلام في الكون، ونظرته للعلم، وموقف العقل من المكون المعرفي في الوجود.

• ليس صحيحا ولا لائقا بالباحثين المختلفين حول حقيقة معينة، أن ينجروا في حواراتهم إلى ثنائية (التهويل) و(التهوين)، كما تعاطى الكثير مع خبر تحول أنتوني فلو الفكري. فـ(النص) مقدم على (الشخص)، لكن لا يمكن فصل (النص) عن مصدره، لما له من ارتباط ذو أبعاد تلقي بظلالها. وقد ألمحنا لشيء من ذلك. ومع هذا فأنتوني فلو كما ورد في كتاب –المطبوع في القرن الماضي قبل إيمان فلو– (ملحدون معاصرون) للدكتور رمسيس عوض: "إذا كان برتراند راسل وصديقه ألفرد إير من أبرز من هاجموا الدين قبل الحرب العالمية الثانية، فإن أنتوني فلو يعد واحدا من أهم منتقدي الدين في الفترة التي أعقبت هذه الحرب". ونختم بالإشارة للسؤال الذي بدأنا به عن مدى قوة وحجية تراجع الرمز عن فكره في تأكيد صواب رأينا وبطلان رأي الخصوم...

الجواب في النص الذي بين يديك، ألا وهو كتاب (هناك إله).

د. محمد العوضي


 

عينة من الكتاب  لشراء نسخة إلكترونية

هل الإلحاد لاعقلاني؟

(جاري جتنج) مع (ألفن بلانتنجا)
ترجمة وتعليق: عبدالله بن سعيد الشهري

88588

إقرأ المزيد

تسجيل الدخول