التطور الموجه بين العلم والدين


تأليف: د. هشام عزمي

الموزع: دار الكاتب للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى 2016م

عدد الصفحات: 248

مقاس الكتاب: 17 * 24 سم


لماذا هذا الكتاب؟

يشاكس بعض المسلمين باستماتة لإقناعنا بما يسمى بالتطور الإلهي أو الموجه Theistic Evolution، بالرغم من أن غالبيتهم يفتقرون إلى اطلاع حقيقي على هذا المنهج الملفق! والنتيجة الطبيعية لذلك هي تناقض فوق تناقض في أدبياتهم المنشورة. وبعيدًا عن التناقضات العلمية والمنهجية الجسيمة −سواء في المنهج الغربي أو في الصورة العربية المشوهة− التي لا يتسع المجال لشرحها هنا، فالحقيقة التي لا يمكن إغفالها أننا حين نطالع أفكار أشهر دعاة التطور الموجه في الغرب أمثال فرانسيس كولينز −في كتابه (لغة الإله)− وكينيث ميللر −في كتابه (Only a Theory)− نجدهم يتبنون التطور الدارويني العشوائي باعتباره التفسير الوحيد الحقيقي لأشكال الحياة على الأرض، ويرفضون أي احتمال لتدخل مصمم ذكي أو خالق. والأمر لديهم أن (الإله) في سبيل خلق العالم استخدم عمليات عشوائية لكي يحقق غاياته! وهو بذلك لا يختلف كثيرا عن الربوبية Deism −التي تدعي أن الله قد خلق العالم وتركه−، وفي الصورة العربية نجد استساغة غريبة للتطور والتصميم!

المشكلة الكبرى التي نحن بصددها، هي عدم إدراك إخواننا من المؤيدين لهذا المنهج لحقيقة أن تلك القوانين وضعت لتكون بديلا عن الإله وليست أدوات بيده، فالطفرات والانتخاب الطبيعي كآليات طبيعية لتفسير التنوع الحيوي لن يكون لها أي معني إذا كان هناك تصميم مسبق ومسار واضح وتدخل مستمر في العالم لتطبيق أهداف مقررة سلفا.

وكما يحكي ديفيد كوامن في كتابه (داروين مترددا) أن مبدأ الانتخاب الطبيعي قد اقتلع فكرة الهدف الرباني من جذورها، وأجهز تماما على أي نزعة غائية في العالم الحي، وقوض الاعتقاد السابق بأننا نحن البشر −خلافًا لكل أشكال الحياة الأخرى− نسمو روحيًّا ونحظى بمنزلة ربانية خاصة ونحوز جوهرًا غير مادي مخلد، وهو ما يمكننا من أن يكون لنا توقعات خاصة بالأبدية، ولذلك اصطدم داروين مباشرة مع المسيحية واليهودية والإسلام، وربما مع معظم الديانات الأخرى.

ولدت فكرة الانتخاب الطبيعي على يد كلا من داروين ووالاس، وفيما عدا داروين نفسه، لم يكن هناك من يفهم الانتخاب الطبيعي بأفضل من والاس، بل في الحقيقة كان حماسه المفرط يفوق أحيانًا حماس داروين نفسه. وبسبب فهم والاس لتلك العلاقة الصفرية بين الانتخاب الطبيعي والإله الموجه، المتحكم، القيوم، تراجع عن تأييده لفكرته السابقة ونشر في عدد إبريل من مجلة The Quarterly Review لعام 1869 مؤكدًا على أن الانتخاب الطبيعي لا يمكن أن يفسر المخ البشري، وأشار لضرورة تواجد ذكاء متحكم يراقب عمل قوانين الطبيعة ويوجه التغيرات لإنتاج العقل البشري بروعته. ويكفي لفهم حال داروين بعد أن رأى ما كتبه شريكه، معرفة أن ما كتبه على هامش نسخته من المجلة كلمة واحدة فقط: «كلا!!».

يدرك أنصار التطور الموجه بالغرب معنى التطور جيدا، لذلك لم يتجرأوا على انتزاع مضمونه بإسقاط آلياته المحورية، وحين نطالع كتابات أحد أهم منظري هذه الفكرة فرانسيس كولينز في كتابه (لغة الإله) −والذي احتفى به كثيرون كدليل على الإيمان− نجد أنه لا يعدو كونه عرضا مكررا للداروينية الحديثة ممتزجا بـ "افتراض الكاتب الشخصي" بأن الله استخدم التطور كطريقة للخلق، بل أن عنوان الكتاب مضلل للغاية، فلغة الإله يعني بها الشفرة الوراثية وهي اللغة التي تكتب بها المعلومات المُشكِّلة للحياة، ومنها يتوقع القارئ خلال فصوله أن يقوم كولينز بتبرير زعمه وتقديم الأدلة بأن الشفرة الوراثية أتت من قبل الله، لكنه يصاب بالإحباط، فكولينز لا يقول أي شيء كهذا على الإطلاق، لكنه يضع اعترافًا بالجهل حول منشأ تلك اللغة فيقول في الصفحة 92: «لا يمكن لعالم جاد في الوقت الحالي أن يزعم أن التفسير الطبيعي لأصل الحياة قريب... هذا صحيح اليوم، لكنه قد لا يكون صحيحًا غدا». لكن حتى هذا الاعتراف بالجهل مجرد قناعة مؤقتة زالت في الصفحة 200 من كتابه حين قال: «بينما الآلية المحددة لأصل الحياة على الأرض تظل غير معروفة، فإنه بمجرد نشأة الحياة، سمحت عمليات التطور والانتقاء الطبيعي بتطوير التنوع والتعقيد البيولوجي على مدى فترات زمنية طويلة للغاية، وبمجرد حدوث التطور لم تعد هناك حاجة لتدخل فوق طبيعي، إننا ليس لدينا أدني فكرة عن أية آلية طبيعية لأصل لغة الإله». فرانسيس كولينز المنظر الأشهر للتطور الموجه بالغرب فرغ إلهه من كل صلاحياته التي قد تؤهله لذلك، ويبقى إيمانه به دخيلًا متناقضًا على المادية، لا يبرره إلا بالطبيعة الروحية المميزة لنا نحن البشر.

الخلاصة؛ فكرة الإله الموجِهُ للتطور الدارويني لا يمكن أن تستقيم مع قيوميته وكماله، وتجعل من وجوده فرضًا دخيلًا زائدًا على التفسير، وفي أكثر التفسيرات تنزلا يمكن وصفه أنه إله يتعمد إخفاء وجوده وعدم إعلان نفسه لخليقته.

فهل أنصف أنصار التطور الموجه الإله؟

أحمد يحيى
مدير قسم البحوث البيولوجية بمركز براهين

هل الإلحاد لاعقلاني؟

(جاري جتنج) مع (ألفن بلانتنجا)
ترجمة وتعليق: عبدالله بن سعيد الشهري

88588

إقرأ المزيد

تسجيل الدخول